الشنقيطي
61
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النحل : 77 ] . ومن ناحية أخرى ، فإن الغد لكل إنسان بمعنى يوم القيامة يتحقق بيوم موته ، لأنه يعاين ما قد قدم يوم موته ، وقد نكر لفظ نفس وغد هنا ، فقيل في الأول لقلة من الناظرين ، وفي الثاني لعظم أمره وشدة هوله . وهنا قد تكرر الأمر بتقوى اللّه كما أسلفنا مرتين ، فقيل للتأكيد ، قاله ابن كثير ، وقيل للتأسيس ، قاله الزمخشري وغيره . فعلى أنه للتأكيد ظاهر وعلى التأسيس يكون الأول لفعل المأمور والثاني لترك المحظور ، مستدلين بمجيء موجب الفعل أولا وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ ، ومجيء موجب التحذير ثانيا إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . وهذا وإن كان له وجه ، ويشهد للتأكيد قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] وإن كانت نسخت بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] فيدل لمفهومه قوله : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [ التوبة : 102 ] أي بترك بعض المأمور ، وفعل بعض المحظور . وعليه فلا تتحقق التقوى إلا بمراعاة الجانبين ، ولكن مادة التقوى وهي اتخاذ الوقاية مما يوجب عذاب اللّه تشمل شرعا الأمرين معا لقوله تعالى في عموم اتخاذ الوقاية قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] . فكان أحد الأمرين بالتقوى يكفي لذلك ويشمله ، ويكون الأمر بالتقوى الثاني لمعنى جديد ، وفي الآية ما يرشد إليه ، وهو قوله تعالى ما قَدَّمَتْ ، لأن « ما » عامة كما قدمنا وصيغة قدمت على الماضي يكون الأمر بتقوى اللّه أولا بالنسبة لما مضى وسبق من عمل تقدم بالفعل ، ويكون النظر بمعنى المحاسبة والتأمل على معنى الحديث : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » فقد ذكره ابن كثير « 1 » . فإذا ما نظر في الماضي وحاسب نفسه ، وعلم ما كان من تقصير أو وقوع في محظور ، جاءه الأمر الثاني بتقوى اللّه لما يستقبل من عمل جديد ومراقبة اللّه تعالى عليه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [ الحديد : 10 ] ، فلا يكون هناك تكرار ، ولا يكون توزيع ، بل بحسب مدلول عموم « ما » وصيغة الماضي « قدمت » والنظر للمحاسبة .
--> ( 1 ) التفسير 4 / 343 .